إذا يروي الصامدون من المسيحيين في العراق؟

و"نستهدَف لأننا الأضعف ولتوجيه الرسائل"

تحت هذا العنوان نشرت جريدة "النهار" اللبنانية لقاء مفصل للإعلامي بيار عطا الله أجراه مع الزملاء سكرتير إتحادنا كلدو رمزي، ومسؤولة فرع دهوك أيلين كيوركيس خلال زيارتهم الأخيرة للبنان ضمن الوفد المشارك في الدورة التنظيمية الإعلامية.

الناشطان كلدو أوغنا وأيلين كيوركيس. (وسيم ضو)ربما كانت المرة الأولى في التاريخ الحديث التي تشهد العلاقات بين الجماعتين المسيحيتين في لبنان والعراق تطوراً أو نمواً، من خلال تبادل الزيارات واللقاءات ومناقشة الهموم والهواجس المشتركة التي تواجهها المجتمعات المتنوعة والأقليات الدينية، سواء في العراق ولبنان أو لاحقاً في سوريا. وحين يزور الناشطون السياسيون المسيحيون في العراق أقرانهم في لبنان، سرعان ما يتبين أن الصورة الشائعة عن أن جميع مسيحيي العراق قد حزموا حقائبهم وينتظرون دورهم للحصول على سمة الهجرة وبطاقة السفر إلى أقصى الدنيا هرباً مما يتعرضون له، ليست صحيحة بالكامل، بل الأصح أن هناك من هاجروا طلباً للأمان أسوة بأقرانهم من الطوائف الأخرى في حين لا يزال قسم لا بأس به منهم "يأمل خيراً" بمستقبل العراق وعدم ترك أرض الآباء والأجداد والتخلي عن الأرض والتراث.

المسؤول في الحركة الديمقراطية الآشورية كلدو أوغنا، زار وأيلين كيوركيس المسؤولة في منطقة دهوك في الحركة عينها، لبنان مع وفد من رفاقهما بدعوة من حزب "القوات اللبنانية"، وهم زاروا لبنان سابقاً والتقوا قياديين في حزب الكتائب وغيره وباتوا يعرفون أحوال لبنان جيداً، ويصفون وضع المسيحيين في العراق اليوم بأنه أفضل في فترات سابقة وخصوصاً في إقليم كردستان حيث تزدهر أحوال قراهم وبلداتهم هناك في ظل الرعاية التي يوفرها الأكراد الخارجون من إضطهاد البعث وقمعه الوحشي إلى بناء مجتمعهم وتقديمه نموذجاً للعراقيين الغارقين في صراعاتهم.

يختصر أوغنا وكيوركيس أحوال من تبقى من المسيحيين في العراق بكلمة "الصمود" ويروون إنطاقاً من حركتهم ومعلوماتهم أن حركة الصمود والبقاء في العراق تشمل 150 ألفاً من المسيحيين في بغداد، وهم من تبقى من أصل 700 ألف كانوا مقيمين فيها قبل إندلاع الأحداث، وقد هاجر قسم منهم إلى خارج البلاد ونزح قسم آخر إلى شمال العراق في سهل نينوى حيث التجمع المسيحي الأكبر، أو إلى مناطق كردستان وخصوصاً أربيل ودهوك حيث يعيشون حياتهم ويطالبون بإنشاء إقليم لهم يحفظ خصوصيتهم أسوة بالمحافظات الأخرى.

تكاد رواية ما يتعرض له مسيحيو العراق لا تختلف عن قصة مسيحيي لبنان. فهناك من هاجر طلباً للأمان وهناك من قرر الصمود مهما يكن الثمن. ويروي أوغنا أن ثمة مؤسسات دولية تعمل على تسهيل هجرة المسيحيين العراقيين وتقديم المعاملات اللازمة لذلك، مما أدى إلى نزوح مئات الآلاف منهم. كما أن بين مسيحيي العراق من يبيع أملاكه ومقتنياته ويسافر، وهناك أيضاً من يسعى إلى التأقلم مع الوضع على قاعدة أن ما تتعرض له الجماعات المسيحية في العراق من إعتداءات يصيب كل مواطن عراقي لجهة عدم توفر الأمان والفلتان الأمني والتسيب، "والأدهى أن إستهداف المسيحيين في غالب الأحيان لا يتم لأنهم مسيحيون بل لأنهم يشكلون الحلقة الأضعف في العراق، إذ يسقط قتلى كثر في العراق من السنة والشيعة، لكن مقتل المسيحيين يثير ضجة إعلامية أكبر ويوجه رسائل في إتجاهات عدة وخصوصاً إلى الدولة، التي يريد الإرهابيون إفهامها أحياناً أنها فشلت في حفظ الأمن وأنها غير قادرة على الإمساك بالوضع".

ينقل الناشطون العراقيون أن زيارة بطريرك الموارنة مار بشارة بطرس الراعي إلى بغداد تشكل سنداً معنوياً كبيراً لهم، وأشعرتهم بأنهم ليسوا متروكين لقدرهم وبأن هناك من يشعر معهم ويتألم لمصابهم ويتضامن معهم عن قرب، وفي رأيهم أن هذه الزيارات تعزز إرادة البقاء والتشبث بالأرض. ويقول أوغنا وكيوركيس عن كلام البطريرك الماروني عن الخشية على مصير المسيحيين في الشرق، أن لكل دولة ومجتمع خصوصياته ولا يمكن مقارنة ما جرى في العراق بأي منطقة أخرى. وعلى خلاف الإعتقاد الشائع أن نظام البعث السابق كان يشمل المسيحيين بعطفه، يحمل المسيحيون العراقيون في "الحركة الديمقراطية الآشورية" ذكريات سيئة عن تلك المرحلة، ويروون أن النظام السابق أعدم قادتهم عام 1984 مما أضطر قسماً منهم للجوء إلى المناطق الكردية والقتال معهم إلى حين سقوط بغداد. ويقولون: "تعرضنا خلال نظام البعث لعمليات تعريب متكررة وبالقوة، ومنعت لغاتنا القومية وهمشت اللغة السريانية وأنحصر إستعمالها وحفظها داخل العائلات وبين الجدران المغلقة. أما اليوم فنعلم أولادنا اللغة السريانية – الآشورية ونحن متفائلون بالمستقبل الذي يحتاج إلى عمل وجهد".

يروي الناشطون أن المدن والبلدات والقرى المسيحية المحرومة في كردستان تعيش نسبياً أفضل أيامها مقارنة مع العنف والنزوح الكبير الذي جرى في مناطق الوسط والجنوب، "لكن ذلك لا يعني نهاية المطاف للصامدين من المسيحيين، فهم يقولون أنهم يريدون العيش كمواطنين ولا يريدون الشعور بأنهم مواطنون درجة ثانية".

بيار عطاالله

آخر تحديث (الثلاثاء, 20 ديسمبر 2011 06:45)