بيير عطا الله / النهار اللبنانية

كان إتحادنا "إتحاد الطلبة والشبيبة الكلدوآشوري" قد أستضاف الإعلامي اللبناني بيير عطا الله، للإطلاع على الواقع الكلدوآشوري في العراق، في مناطق عديدة من أماكن تواجد شعبنا، وبعد عودته إلى وطنه لبنان كتب عطا الله سلسلة مقالات عن مسيحيي العراق، تتضمن مجموعة لقاءات أجراها الكاتب خلال زيارته العراق.
ويقول عطا الله :
يحلم مسيحيو العراق باليوم الذي يتمكّنون فيه من إقناع السلطة المركزية في بغداد بإقامة محافظة نينوى التي تضمهم مع الأقليات الأخرى، وفي انتظار ذلك اليوم الموعود تمضي مسيرة الحياة هادئة في البلدات والقرى المنثورة في شمال العراق رغم الأخبار التي تصلهم من العاصمة بغداد ومحافظة الموصل عن التعرض لمن تبقى من المسيحيين هناك.
ينتشر المسيحيون في مناطق دهوك وكركوك وأربيل وزاخو وغيرها بدءاً من الحدود التركية – العراقية – السورية غرباً، كما يقيم المسيحيون في الموصل جنوباً وأنحاء كركوك بأعداد قليلة وفي ظل أوضاع أمنية مضطربة، ومنها يتوزعون على جبال كردستان شمالاً وشرقاً وصولاً إلى سهل نينوى، الذي ينقسم إلى نينوى الجنوبية ونينوى الشمالية ويضم ثلاثة أقضية تعادل مساحتها ثلث الجغرافيا في لبنان. ويعيش في هذا السهل نحو 35 في المئة من المسيحيين (الكلدان، السريان، الآشوريين)، واليزيديين بنسبة 30 في المئة، والبقية من التركمان، الكيكية (أصلهم من الشيشان) والشبك السنة والشيعة. لكن المشكلة ليست في التعايش المتوتر بين هذه الأقليات بل في الصراع المحتدم بين سلطات كردستان والمركز في بغداد للسيطرة على هذه المنطقة التي تسمّى "الأراضي المتنازع عليها"، وكأن لا رأي لسكان تلك الأرض في حاضرهم ومستقبلهم رغم أنهم من الأكثر تعلقاً بالولاء للعراق والأكثر حرصاً على التفاهم مع الآخرين رغم حملات الإرهاب والتنكيل التي تعرضوا لها والتي جعلتهم بين سندان الأكراد الطامحين، الذين ينشرون قوات البيشمركة الكردية في هذه المناطق والسلطة المركزية التي تريد تقمص دور حزب البعث في الهيمنة دون أي اعتبار للتعددية التي لم تجد السلطات المحلية سبيلاً لحمايتها من "الإرهابيين" إلا بنشر وحدات الحرس الأهلية من المتطوعين.
كرمليس وبغديدا
يشكل الإهمال بمعناه الحقيقي السمة المشتركة لتلك المناطق، فلا نظام البعث اهتمّ بها ولا السلطة اللاحقة، ويعني الإهمال عدم وجود شبكة طرق جيدة وانعدام شبكة الصرف الصحي، إضافة الى جملة أمور أخرى أصبحت من البديهيات في العالم، مثل تأمين فرص العمل والتربية والصحة والخدمات الاجتماعية وغيرها. وفي بلدة كرمليس مثلاً الواقعة في سهل نينوى الجنوبي، هاجر ثلاثة آلاف من أهاليها وبقي خمسة آلاف يصمدون بجهودهم الفردية، ولولا الحواجز المسلحة التي تلف البلدة وعند مداخل الكنائس والدير في ما يشبه المجتمع الحربي، لربما كانت ضريبة الإرهاب أكبر على الأهالي الذين يمضون الحياة بهدوء وينصرفون إلى الزراعة ووظائف القطاع العام والتعليم، حيث هناك خمس مدارس تضم نحو 1500 تلميذ. ويردد الأهالي هناك أنهم يتزوجون وينجبون الأطفال رغم الكلفة المرتفعة للزواج لدى المسيحيين، ويشدّدون على أنهم "لولا الإرهاب والهجرة لكنا بألف خير" ولا يسمع المرء سوى نغمة واحدة بين الناشطين: "نريد محافظة للأقليات".
في بغديدا البلدة الأكبر في تلك الناحية والتي سقط الآلاف من شبابها في الحرب مع إيران والتي سميت "مدينة الفداء" بسبب سقوط 1800 شهيد من أبنائها، يقيم نحو 50 ألفاً من السكان وربما أكثر، منهم المهجرون من بغداد والموصل ممن حملوا معهم عاداتهم وتقاليدهم، وبثوا الحياة في المدينة الريفية الهادئة والمتمسكة بتقاليدها وأوقات الصلاة في كنائسها الكثيرة والأثرية، حيث يتمتع الكهنة بنفوذ كبير نجح في التصدي لمحاولات افتتاح ملاهٍ ليلية وفرض معايير أخلاقية صارمة على مجتمع تلك المدينة التي تبدو مثل خلية نحل بأسواقها القديمة وبيوتها المتلاصقة ومركز استقطاب لسكان تلك الناحية.
ويشرح مدير ناحية تلكيف باسم بلو أن هجرة المسيحيين العكسية إلى شمال العراق وسهل نينوى بدأت عام 2003 بعد سقوط نظام البعث لأسباب عدة، منها السياسية والأمنية والاقتصادية، ووصلت إلى ما بين 4000 و 5000 عائلة، لكن انعدام فرص العمل وعدم استقرار الوضع الأمني دفع قسماً كبيراً من هذه العائلات إلى الهجرة إلى الخارج. ويجزم بأن "كل مقومات قيام محافظة أو إقليم سهل نينوى موجودة، سواء أكانت الموارد البشرية أم الاقتصادية من زراعة ونفط. ويشير إلى وجود سد الموصل على نهر دجلة، أحد أهم موارد الثروة المائية الإستراتيجية في العراق كله". ويضيف: "المشكلة ليست في رأس المال وتأمين التمويل، وخصوصاً أن ثمة متمولين عراقيين مسيحيين كثراً على استعداد للاستثمار، بل هي في القرار السياسي وتأمين الاستقرار والهدوء".
القوش وشراء الأراضي
القوش أكبر البلدات في منطقة نينوى الشمالية، واشتهرت بأنضواء أهاليها في الحزب الشيوعي وشدة بأسهم وحمايتهم لناحيتهم، وخصوصاً أنهم في غالبيتهم من الفلاحين والمزارعين، وفيها دير ربان هرمز الأثري أحد أقدم المواقع الأثرية المسيحية في الشرق، وخمس مدارس تضم نحو 1200 تلميذ إلى رياض أطفال ومدرسة مهنية متخصصة، وتزنرها الحواجز المسلحة عند مداخلها. لكن المشكلة ليست أمنية بل تتمثل في الهجمة على شراء الأراضي، ويقول الأهالي هناك: "بعد الفشل في تغيير الديموغرافية لمصلحة العرب بدأت حملة الإغراءات والتحايل على القانون وتزوير صكوك البيع لشراء الأراضي التي تمكن الأهالي من التصدي لها بقرار منع البيع "للغرباء" تحت طائلة المسؤولية، ولأن غالبية الأراضي ملك لرهبان دير ربان هرمز الذين يرفضون بيع الأرض، وأقصى ما يسمحون به هو الإيجار للأغراض الزراعية". ويقول باسم بلو ابن القوش: "إيران ودول الخليج تمولان أنصارهما لشراء أرضنا، وجزء كبير من مطالبتنا بإنشاء محافظة خاصة للأقليات هو لسن قوانين تمنع بيع الأراضي وتضع حداً للتحكّم في رقابنا".
إلى الجنوب من القوش، وعلى امتداد السهل الفسيح، بلدة نموذجية تشبه البلدات الفرنسية بقرميدها الأحمر، هي الشرفية النموذجية التي لم يتبقَ من سكانها الذين يتبعون الكنيسة الشرقية القديمة سوى 300 نسمة يعتمدون على الزراعة وتربية الأغنام والأبقار في أرض تدرّ لبناً وعسلاً، وفيها مدرسة الرها اللاهوتية لتأهيل الكهنوت وتضم 14 طالباً يتابعون دراستهم لاحقاً في معهد اللاهوت في عنكاوا. وفي الشرفية يروي الأب أسعد حنونا أن من يهاجرون إنما ينتقلون إلى المجهول. ويقول: "الفكر العربي لا يريد الاعتراف بالآخر. السنّة لم يعترفوا بالشيعة والأكراد واليوم الشيعة لا يريدون الاعتراف بحقوق السنّة، وهكذا دواليك في مسيرة فكر الغائي لا يقيم وزناً للتعددية والأقليات".
مدينة تلسقف المجاورة للشرفية فسيحة، وكذلك كنائسها ومؤسساتها، وعند مداخلها ترتفع الحواجز المسلحة إلى جانب قطعان الأغنام والأبقار، مما يوحي أن أولئك المسيحيين إنما يعيشون حياة الرعي وحمل السلاح لحماية وجودهم الذي تبدو عليه علامات الإهمال والحرمان إلى أقصى الحدود. ويقول المسؤول عن الشباب في الحركة الديمقراطية الآشورية كلدو رمزي إن الفيدرالية جزء من الحل لكل مشكلات العراق، ويفترض أن يؤدي إنشاء المحافظات إلى تغيير كبير في طبيعة الأمور، تماماً كما جرى في كردستان حيث يشهد المجتمع الكردي نهضة كبيرة بسبب سياسة التخطيط والإنفاق المدروسة التي تنفذها قيادة الإقليم، في حين أن وضع البلدات والقرى والمدن في سهل نينوى لا يمكن مقارنته مع أي منطقة أخرى نتيجة تردي الخدمات وإنعدام أبسط أنواع الدعم الحقيقي والبناء.
يراقبون سوريا
مسيحيو العراق يخشون على المسيحيين في سوريا أن يتعرضوا لما يتعرضون له من إرهاب وتنكيل، وهم يتفهمون مواقفهم ويجدها بعضهم مبررة رغم كل ما نالهم من نظام البعث وصدام حسين من قمع. ويسأل الوزير السابق يونان هوزايا: "تجوز المقارنة بين صدام حسين وبشار الأسد في بعض المسائل، وخصوصاً الاستخدام المفرط للقوة وقمع الحريات، لكن السؤال الكبير يتلخص في معرفة البديل إذا سقط النظام الحالي، هل هو الإسلام الأصولي أم النموذج الديمقراطي؟ وعلى حركة الإسلام السياسي أن توفر إجابات واضحة عن مسائل كثيرة مثل المواطنة وتقبل التنوع والتعددية وكيفية التعامل مع هذا الموزاييك الكبير في العالم العربي".
لمتابعة المقال الاول على الرابط الاتي:
آخر تحديث (الجمعة, 23 مارس 2012 11:51)
Copyright © 2011 khoyada.com All Rights Reserved.
Desgined By iven a. herbert